عبد القادر الجيلاني
112
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
والرخاء بالبأساء والضراء . وشكر نعمة العافية في الجوارح والأعضاء في الاستعانة بها على الطاعات والكف عن المحارم والسيئات والمعاصي والآثام ، فذلك قيد النعم عن الرحلة والذهاب ، وسقي شجرتها وتنمية أغصانها وأوراقها ، وتحسين ثمرتها . حلاوة طعمها ، وسلامة عاقبتها ، ولذة مضغها ، وسهولة بلعها ، وتعقب عافيتها وريعها في الجسد ، ثم ظهور بركتها على الجوارح من أنواع الطاعات والقربات والأذكار ، ثم دخول العبد بعد ذلك في الآخرة في رحمة اللّه عزّ وجلّ . والخلود في الجنان مع النبيين - والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا - فإن لم يفعل ذلك واغتر بما ظهر من زينة الدنيا وبما ذاق من لذتها ، واطمأن إلى بريق سرابها وما لاح من بريقها وما هب من نسيم أول نهار قيظها ، ونعومة جلود حياتها وعقاربها ، وغفل وعمي عن سمومها القاتلة المودعة في أعماقها ، ومكامنها ومصايدها المنصوبة لأخذه وحبسه وهلاكه ، فليهنأ للردى وليستبش بالعطب والفقر العاجل ، مع الذل والهوان في الدنيا والعذاب الآجل في النار ولظى . وأما المبتلي . فتارة يبتلى عقوبة ومقابلة لجريمة ارتكبها ومعصية اقترفها وأخرى يبتلى تكفيرا وتمحيصا ، وأخرى يبتلى لارتفاع الدرجات وتبليغ المنازل العاليات ليلحق بأولي العلم من أهل الحالات والمقامات ، مما سبقت لهم عناية من رب الخليقة والبريات ، وسيرهم مولاهم ميادين البليات على مطايا الرفق والألطاف ، وروحهم بنسيم النظرات واللحظات في الحركات والسكنات ، إذ لم يكن ابتلاهم للإهلاك والإهواء في الدركات ، ولكن اختبرهم بها للاصطفاء والاجتباء واستخراج بها منهم حقيقة الإيمان وصفاها وميزها من الشرك والدعاوى والنفاق ، ونحلهم بها أنواع العلوم والأسرار والأنوار ، فجعلهم من الخلص الخواص ، ائتمنهم على أسراره ، وارتضاهم لمجالسته ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الفقراء الصبراء جلساء الرحمن يوم القيامة » « 1 » دنيا وأخرى في الدنيا بقلوبهم وفي الآخرة بأجسادهم ، فكانت البلايا مطهرة لقلوبهم من دون الشرك ، والتعلق بالخلق والأسباب والأماني والإرادات ، وذوابة لها وسباكة من الدعاوى والهوسات ، وطلب الأعواض بالطاعات من الدرجات والمنازل العاليات في الآخرة في الفردوس والجنات .
--> ( 1 ) لم أقف عليه .